محمد جمال الدين القاسمي

268

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الشك والحيرة . قال بعضهم : مثال التنطع في السؤال حتى يفضي بالمسؤول إلى الجواب بالمنع بعد أن يفتي بالإذن - أن يسأل عن السلع التي توجد في الأسواق : هل يكره شراؤها ممن هي في يده من قبل البحث عن مصيرها إليه أو لا ؟ فيجيبه بالجواز . فإن عاد فقال : أخشى أن يكون من نهب أو غصب ، ويكون ذلك الوقت قد وقع شيء من ذلك في الجملة ، فيحتاج أن يجيبه بالمنع . ويقيّد ذلك إن ثبت شيء من ذلك حرم ، وإن تردد كره أو كان خلاف الأولى . ولو سكت السائل عن هذا التنطع لم يزد المفتي على جوابه بالجواز . وإذا تقرر ذلك ، فمن يسدّ باب المسائل حتى فاته معرفة كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها ، فإنه يقل فهمه وعلمه ، ومن توسع في تفريع المسائل وتوليدها - ولا سيما فيما يقل وقوعه أو يندر ، ولا سيما إن كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة - فإنه يذم فعله ، وهو عين الذي كرهه السلف . ومن أمعن في البحث عن معاني كتاب الله ، محافظا على ما جاء في تفسيره عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وعن أصحابه ، الذين شاهدوا التنزيل . وحصل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه ومفهومه ، وعن معاني السنة وما دلت عليه كذلك ، مقتصرا على ما يصلح للحجة منها ، فإنه الذي يحمد وينتفع به . وعلى ذلك يحمل عمل فقهاء الأمصار من التابعين فمن بعدهم . - كذا في ( فتح الباري ) . ثم رأيت في ( موافقات ) الإمام الشاطبيّ رحمه الله تعالى ، في أواخرها - في هذا الموضوع - مبحثا جليلا ، قال في أوله : الإكثار من الأسئلة مذموم . والدليل عليه النقل المستفيض من الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح . من ذلك قوله تعالى . . . - وساق هذه الآية وما أسلفناه من الآثار وزاد أيضا عما نقلنا - ثم قال : . . . والحاصل أن كثرة السؤال ومتابعة المسائل بالأبحاث العقلية والاحتمالات النظرية ، مذموم . وقد كان أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قد وعظوا في كثرة السؤال حتى امتنعوا منه . وكان يحبون أن يجيء الأعراب فيسألون حتى يسمعوا كلامه ويحفظوا منه العلم . . ثم قال : ويتبيّن من هذا أن لكراهية السؤال مواضع ، نذكر منها عشرة مواضع : ( أحدها ) : السؤال عمّا لا ينفع في الدين ، كسؤال « 1 » عبد الله بن حذافة : من أبي ؟ وروي في ( التفسير ) أنه عليه السلام سئل : ما بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : العلم ، 29 - باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدّث ، حديث 80 عن أنس بن مالك .